ابن بطوطة
297
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
التي لا نظير لها في البلاد ، وهم يسمون الصحاف بالدّسوت « 155 » ، وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها وأخرى في جوفها إلى أن يبلغوا العشرة يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة ، وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرة واحدة في جوف واحدة ، ويصنعون لها غشاء من جلد ويمسكها الرجل في حزامه ، وإذا حضر طعاما مع أصحابه أخرج ذلك فيظن رائيه أنها معلقة واحدة ثم يخرج من جوفها تسعا . وكان دخولي لبعلبك عشية النهار وخرجت منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين « 156 » إلى مدينة دمشق الشام فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية « 157 » . ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتتقدمها جمالا وكل وصف وإن طال ، فهو قاصر عن محاسنها ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير « 158 » ، رحمه الله تعالى ، في ذكرها قال : وأما دمشق فهي جنّة المشرق ومطلع نورها المشرق وخاتمة بلاد الاسلام التي استقريناها وعروس المدن التي اجتليناها . قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين . وحلت موضع الحسن بالمكان المكين ، وتزيّنت في منتصفها أجمل تزيين ، وشرفت بأن أوى المسيح عليه السلام ، وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار معين ، ظل ظليل ، وماء سلسبيل « 159 » . تنساب مذانبه إنسياب الأراقم بكل سبيل . ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل ، تتبرّح لناظريها بمجتلى صقيل وتنادينا هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل . وقد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء ! فتكاد تناديك بها الصّمّ الصّلاب : أركض برجلك ، هذا مغتسل بارد وشراب « 160 » . وقد أحدقت البساتين بها احداق الهالة
--> ( 155 ) كلمة الدست ( ج دسوت ) فارسية وسيأتي الحديث عنها مفصلا 292 - IV . ( 156 ) هذا التاريخ يوافق تاريخ غشت 1326 ولو أن تاسع غشت كان يصادف يوم السبت . ولا مجال لتقدير المستشرق الشيكي إيفان هربيك أن كتابة ( التاسع ) قد تلتبس ( بالسابع ) فإن سائر المخطوطات التي بين أيدينا تجمع على ( التاسع ) . . . وقد ألفنا أن المشارقة قد يسبقون المغاربة باليوم واليومين ! ! د . التازي : التاريخ الدپلوماسي للمغرب ج 5 ص 320 مصدر سابق . ( 157 ) الشرابيش جمع شربوش يعني الشاشية التي تجعل على الرأس وتكون مخروطة الشكل ، ومنها كلمة الطرابيش التي كان الناس يجعلونها على رؤوسهم نقلا عن التقليد التّركي . . . ( 158 ) قسم كبير من الوصف الذي أتى به ابن بطوطة لدمشق مأخوذ من رحلة ابن جبير . ( 159 ) في القرآن الكريم ، السورة 23 ، الآية 50 : " وجعلنا ابن مريم وأمه آية وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين . " والسلسبيل : الماء العذب السّهل المساغ . ومنه كانت تسمية بعض السيدات العربيات . ( 160 ) السورة 38 ، الآية 41 .